ألزهايمر .. خريف العمر

عالم الأسرة » همسات
23 - ذو الحجة - 1435 هـ| 18 - اكتوبر - 2014


1

لقد اقتضت سنة الله في خلقة، أن لا يكون لمخلوق الخلود في هذه الحياة؛ ولذلك فالمخلوقات التي يُقدر لها الله البقاء ستستمر في التغير. وفي رحلة تغيرها تنتقل من حال إلى حال، حتى تبدو وكأنها تبدأ وتنتهي بشكل شديد الشبه، فتبدأ ضعيفة في طفولتها.. وتشد وتكبر.. ثم ما تلبث أن يصيبها الضعف مرة أخرى، فتعود كما كانت في احتياجاتها وسلوكياتها الطفولية.

     وفي المحطة الأخيرة من الضعف تكون معرضة إلى جانب ضعفها الطبيعي، إلى أمراض تؤثر على وظائف الدماغ، فتتغير حياته كلها بتغيره. وهي ما تسمى أمراض الخرف والتي يعد ألزهايمر في طليعة تلك الأمراض.

     ويعرف الزهايمر بأنه مرض دماغي مزمن، يؤدي إلى ضمور تدريجي في الخلايا العصبية في الدماغ، ويصيب الإنسان غالباً في المراحل المتقدمة من العمر، فهو الشكل الأكثر شيوعاً للخرف في مرحلة الشيخوخة. وهو في تزايد متقدم على مستوى العالم.

    وكان أول من وصف المرض الطبيب النفسي والعصبي الألماني ألويس ألزهايمر في عام (1906) ولذلك سمي المرض باسمه.

    وإن كانت أسبابه لم تحدد بدقة، إلا أن تقدم السن هو العامل الأهم في وجود المرض، فغالبية المرضى يصابون به بعد سن الخامسة والستين. وتزداد فرصة المرض بنسبة الضعف كل خمسة أعوام تالية لهذا السن، حتى تصل لأعلى نسبة 50% عند سن 85 سنة.

     الزهايمر مرض مزمن، يبدأ عادة بشكل خفيف، ويتطور لمراحل متقدمة، وبداية ظهوره تكون على شكل نسيان واضطراب في الذاكرة الحديثة، حيث ينسى المريض أي أحداث قريبة حصلت، فيبدأ يكرر ما يقول بشكل مستمر. فيعيد القصة التي يذكرها مراراً وتكراراً, ويسأل السؤال نفسه بتكرار واضح, وينسى أسماء بعض الأشياء المعروفة من حوله. وتدريجياً ينسى أسماء المقربين منه من أبناء وأقارب, مع صعوبة في إيجاد الكلمات المناسبة والعجز عن تعلم أي جديد. هذا مع تذكر لا بأس به في بداية المرض للأحداث البعيدة. فيروي تفاصيل قصص قديمة حدثت معه في شبابه بشكل جيد.

     إلا أن ذلك لا يستمر طويلاً، فما يلبث أن تتدهور ذاكرته وإدراكه بشكل أكبر حتى يفقد إحساسه بالوقت والزمان والمكان, ويضعف التركيز مع الذاكرة مما ينتج التوهان لعدم معرفة مكان السكن. ويستمر التدهور الذي يشمل تغير في الأنشطة الحياتية بشكل كامل، ويصاحبها تدهور عام في القدرات العقلية، حتى تبدو قدراته العقلية كأنها أقرب ما تكون طفولية. وكذلك تضطرب الحالة الانفعالية فيبدو وكأنه خائفاً قلقاً من أمر ما, وقد يتحدث عن أحداث لم تحصل، ويصبح أكثر تصلباً ومقاومة في الاستجابة لمن حوله. ويكثر من التجول الليلي لشعوره بالقلق والأرق. وتتغير شخصيته بالكامل، فيبدو سريع الانفعال، حزيناً، كثير الشك والقلق والعصبية, وتظهر التخيلات بشكل واضح فمن الممكن أن يتحدث إلى نفسه في المرآة، وكأنه يتحدث مع أشخاص واقعيين, أو يستجيب لما يعرض في التلفاز على أنه واقع أمامه بشخصيات حقيقية.

     ويستمر التدهور في جميع القدرات العقلية، بل والجسمية أيضاً، حتى يصل للمرحلة الأخيرة من مرضه، والتي لا يستطيع فيها أن يساعد نفسه لفقدانه جميع المهارات والقدرات الحياتية والشخصية. فيحتاج لمن يساعده في ارتداء وخلع ثيابه، والعناية بنظافته الشخصية وإطعامه. حتى يصل لدرجة عدم القدرة على التحكم في الإخراج، ويلازم الفراش كالرضيع تماماً. ولا يتغذى إلا على لين الطعام. وهنا يحتاج للعناية به، وباحتياجاته، والتركيز على العلاج التلطيفي الذي يسعى لمنحه ما يساهم في راحته بإبعاد الألم عنه.

     رغم كثرة الأبحاث إلا أنه لم يتم التوصل لعلاج يوقف موت الخلايا الدماغية، أو المسبب لضمورها، والذي يشكل سبب المرض. إلا أن التشخيص المبكر يساعد في الحد من التلف السريع للخلايا. وفقدان الذاكرة عن طريق تدخلات طبية، تؤخر موت الخلايا بما يصفه الطبيب من أدوية. بالإضافة للأدوية التي تحد من قلق المريض وأعراضه الاكتئابية والهلاوس البصرية المخيفة.

     كما أن استخدام وسائل إنعاش الذاكرة بالصور للمقربين له, والتقويم وتذكير المريض باليوم والشهر بشكل مستمر, وتشجيعه على أن يعتني بنفسه قدر الاستطاعة، خاصة في المراحل الأولى من المرض. وأن نهيئ له بيئة ثابتة في نظامها لنقلل من تشتته وتوهانه. فتحدد ساعة النوم والطعام والدواء. وكل ما يخص المريض بشكل منظم, وإبعاد كل ما يمكن أن يسبب له الأذى. مع الحرص على تطمينه بلمسة، و بالنظر في عينيه عند الحديث، وخفض الصوت عنده، مع إبعاد كل ما يشتته ويزعجه؛ لأنه مع تعطل قدرات الدماغ، يعجز عن تفسير ما يراه؛ مما يجعل من الصعب عليه فهم محيطه فيفقد الأمان ويشعر بالغربة.

     ولا شك أن التعامل والعناية بمرضى ألزهايمر يحتاج لصبر واحتساب. لكنه أقل ما يمكن أن يقدمه الأبناء لوالديهم لرد جميل صنعه هذا المريض في حياته. وقدم لأبنائه كل حياته. وصبر عليهم صغاراً أفلا يستحق الصبر عليه كبيراً؟ 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...